يمكن القول إن مشغل الأسطوانات يُعدّ واحدًا من أهم الاختراعات في تاريخ الترفيه المنزلي؛ إذ جلب الموسيقى إلى المنازل لأكثر من قرن من الزمن، وترك أثرًا عميقًا في الثقافة الموسيقية حول العالم.
لسنواتٍ عديدة، كان يُعتقد أن الفينيل (Vinyl Record) تقنية قديمة ومندثرة، خاصة بعد ظهور الأقراص المضغوطة (CD) ثم التنزيلات الرقمية لاحقًا. إلا أن هذا الوسيط الذي حُكم عليه بجمع الغبار، عاد من جديد ليحتل مكانة مميزة، بل وأصبح “ملكًا” في أعين عشّاق الموسيقى.
تاريخ مشغلات الأسطوانات
تمتلك هذه التكنولوجيا تاريخًا طويلًا ومعقّدًا، إذ تطورت مشغلات التسجيل عبر عدة مراحل، بدءًا من الفونوغراف، مرورًا بالـ غرامافون، ثم القرص الدوّار (Turntable)، وصولًا إلى مشغلات الفينيل الحديثة.
شهد العقد الماضي اهتمامًا متجددًا بمشغلات الأسطوانات، تزامنًا مع تزايد شعبية موسيقى الفينيل. ويعود ذلك إلى رغبة كثيرين في الاستماع إلى الصوت التناظري غير المضغوط عالي الجودة، بينما يجد آخرون في هذه المشغلات شعورًا خاصًا بالحنين إلى الماضي.
ولفهم جذور هذه التكنولوجيا الموسيقية المثيرة للاهتمام، دعونا نستعرض تاريخ مشغلات الأسطوانات منذ بداياتها الأولى.
بداية مشغلات التسجيل
تم ابتكار أول جهاز مرتبط بتسجيل الصوت على يد إدوار ليون سكوت دو مارتنفيل في فرنسا عام 1857، عندما اخترع جهاز الفونوغراف. ورغم أن هذا الجهاز لم يكن قادرًا على تشغيل الصوت، فإنه مثّل خطوة ثورية في محاولة تصوير الموجات الصوتية.
كان سكوت مفتونًا منذ عام 1853 بالوسائل الميكانيكية لنقل الأصوات، واستلهم فكرته من دراسته لرسومات الجهاز السمعي للأذن البشرية أثناء اطلاعه على كتب الفيزياء.
كيف نشأت فكرة الفونوغراف
أثناء تدقيق بعض الرسومات في أحد كتب الفيزياء، صادف رسومات الجهاز السمعي للأذن. وتم استخدام الفونوغراف بشكل أساسي في المختبرات في بداية الأمر.

لقد سعى إلى محاكاة الصوت والحركة في جهازٍ ميكانيكي، فاستلهم آلية السمع البشري، واستبدل فكرة الغشاء الطبلي بغشاءٍ مرن (Elastic Membrane)، وربطه بسلسلةٍ من الروافع تماثل العظيمات السمعية (Ossicles).

في 26 يناير 1857، قدّم سكوت تصميمه إلى الأكاديمية الفرنسية للعلوم، وحصل لاحقًا على براءة الاختراع الفرنسية رقم 17897/31470.
استخدم الفونوغراف قرنًا صوتيًا متصلًا بغشاء يهتز، مرتبطًا بشعيرات خشنة (Bristles) تقوم بنقش الاهتزازات على أسطوانة تُدار يدويًا.
قام سكوت ببناء عدة نماذج من جهازه بمساعدة صانع الآلات الصوتية رودولف كونيج. وعلى عكس اختراع توماس إديسون اللاحق عام 1877، لم يكن جهاز سكوت قادرًا على إعادة تشغيل الصوت، بل كان يكتفي بتصويره بصريًا فقط. وقد اعتقد سكوت أن البشر سيتمكنون يومًا ما من “قراءة” الصوت بصريًا كما تُقرأ النصوص، وهو ما ثبت لاحقًا عدم عمليته.
رغم ذلك، باع سكوت عددًا من تسجيلاته الصوتية للمختبرات العلمية، واُستخدمت في دراسة الأصوات والحروف المتحركة على يد علماء مثل فرانسيسكوس دوندرز وهاينريش شنيبيلي ورينيه ماراج. كما ساهم اختراعه في تطوير أجهزة أخرى لتصوير الصوت، مثل جهاز لهب المانومتري لكونيج.
ومع الأسف، لم يحقق سكوت نجاحًا ماليًا من اختراعه، وقضى بقية حياته بائعًا للكتب والصور الفوتوغرافية. ويعود أقدم تسجيل صوتي معروف إلى عام 1860.
صعود الفونوغراف
في عام 1877، اخترع توماس إديسون الفونوغراف القادر على تسجيل الصوت وتشغيله، ليُعد بذلك أول جهاز عملي لتسجيل الصوت وإعادته. كان التسجيل يتم على ورق قصدير ملفوف حول أسطوانة من الورق المقوى.
لاحقًا، أضاف ألكسندر غراهام بل الشمع إلى تصميم إديسون لتحسين جودة التسجيل، مما أدى إلى ظهور جهاز عُرف باسم الغرامافون (Gramophone).
اختراع إميل برلينر

نقل إميل برلينر تقنية التسجيل إلى مرحلة جديدة عام 1887، عندما اخترع جهاز الغرامافون المعتمد على الأقراص المسطحة بدلًا من الأسطوانات. صُنعت هذه الأقراص في البداية من المطاط الصلب وشمع الشيلاك (Shellac)، ثم لاحقًا من الفينيل.
كان هذا التحول إلى الأقراص المسطحة أساس مشغلات الأسطوانات الحديثة، حيث أصبحت الأخاديد (Grooves) تُنقش على أسطح الأقراص، مما مهّد لانتشار التسجيلات الموسيقية على نطاق واسع.
الانتشار التجاري والعصر الذهبي
طُرح أول مشغل أسطوانات تجاري للجمهور عام 1895، وحظي بشعبية كبيرة حتى ظهور الراديو، الذي لم يقضِ عليه، لكنه سحب منه الأضواء لفترة.
بلغت مشغلات الأسطوانات ذروة انتشارها في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مع تطور تقنيات الصوت عالي الدقة وظهور التشغيل الاستريو. وشهدت هذه الفترة ما يُعرف بـ العصر الذهبي لمشغلات الأسطوانات التقليدية.
وقد أسهم إصدار شركة شركة Dual أول (قرص دوّار turntable) يدعم التشغيل الاستريو في تعزيز انتشار هذه التقنية. لقد وصل إنتاج الصوت عالي الدقة إلى المشهد وحفز عددًا لا يحصى من الأشخاص على إضافة مشغل تسجيل إلى منازلهم. حقق القرص الدوار الأوتوماتيكي (Turntable Automatic) عالي الدقة نجاحًا فوريًا في أوائل الستينيات. كان هذا هو العصر الذهبي للمشغلات القياسيين. خلال هذه الحقبة، أصدرت شركة Electrohome مشغل تسجيلات Apollo الشهير الذي يعود تاريخه إلى الفضاء جنبًا إلى جنب مع مشغلات الاستريو الخشبية الكلاسيكية.

نشأة القرص المضغوط (CD)
في أواخر السبعينيات، بدأت شركتا Philips وSony بتطوير نماذج أولية للقرص المضغوط بشكل منفصل. وفي عام 1979، أعلنت الشركتان تعاونهما رسميًا لتطوير معيار موحد للـ CD.
بتوجيه من المدير الفني (الصوتي) ، قام فريق فيليبس بإجراء العديد من التجارب على تقنية القرص الرقمي، بما في ذلك فكرة الصوت الرباعي (quadraphonic sound) الذي يتطلب قرصًا يصل قطره إلى 20 سم. تم التخلي عن هذه التجارب في وقت لاحق.
ومع ذلك، في عام 1978، انطلق المشروع بشكل أكثر جدية وأطلقت شركة فيليبس مشروع القرص المضغوط (Compact disc). كان الهدف من مشروع القرص المضغوط هو أن يحل الشكل الجديد في النهاية محل كل من شريط الفيديو (Videotape) وشريط سمعي او مايسمى الشريط المدمج (Cassette tape) سوف نتطرق لهم في مقالة آخرى. كلاهما كانا من التقنيات الشائعة في ذلك الوقت، وكانا قيد الاستخدام وتم تأسيسهما لسنوات عديدة.
تم اختيار اسم المشروع (الذي تم تحديده في عام 1977)، وهو مشروع القرص المضغوط، من قبل شركة Philips على أمل أن يجلب إلى أذهان الناس نجاح الكاسيت المضغوط. في ذلك الوقت، بدأت شركة Philips في الاهتمام أكثر بالعمل الذي قام به قسم أبحاث الصوت الرقمي لديها. كل هذا البحث في المشروع أدى إلى منعطف مثير للاهتمام.
لقد كانت شركة Philips، التي أطلقت بالفعل مشغل أقراص الليزر التجاري في السوق، متقدمة على منافسيها من حيث التصميم المادي للقرص المضغوط. ومع ذلك، افتقرت شركة Philips إلى خبرة التسجيل الصوتي الرقمي لتطوير القرص المضغوط بشكل أكبر.
من ناحية أخرى، كانت شركة Sony، التي كانت تعمل أيضًا جنبًا إلى جنب لتطوير القرص المضغوط، تواجه مشكلة معاكسة تمامًا للتعامل معها. في حين أنها كانت تتمتع بأكثر من عقد من الخبرة في تطوير وتنفيذ أفضل الدرات الرقمية أو إلكترونيات رقمية (Digital electronics)، إلا أنها كانت تفتقر إلى المعرفة اللازمة لإنشاء القرص المضغوط الفعلي.
ونتيجة لهذه التطورات، في عام 1979، خلال مؤتمر عُقد في اليابان، أذهلت شركتا Philips وSony العالم بإعلانهما أن الشركتين ستعملان معًا على تطوير القرص المضغوط. وهكذا تم إبرام صفقة جديدة، وعملت الشركتان معًا خلال السنوات القليلة التالية.
ركّز مهندسو شركة Philips على التصميم الفيزيائي للقرص، وآلية قراءة الليزر للمعلومات من الحفر والنتوءات على سطحه، بينما عمل متخصصو التكنولوجيا الرقمية في شركة Sony على تطوير تقنيات معالجة الصوت الرقمي، بما في ذلك المحوّل التناظري-الرقمي (Analog-to-digital converter) وتشفير الإشارات الرقمية، وأنظمة تصحيح الأخطاء.
كتب قوس قزح للأقراص المضغوطة (Rainbow Books): المعايير والمواصفات
ولمعرفة المزيد، يمكن الرجوع إلى مواصفات ومعايير القرص المضغوط

- الكتاب الأحمر (نُشر عام 1980)
- الكتاب الأخضر (نُشر عام 1986)
- الكتاب الأصفر (نشر عام 1988)
- الكتاب البرتقالي (نشر عام 1990)
- الكتاب البيج (نُشر عام 1992)
- الكتاب الأبيض (نُشر عام 1993)
- الكتاب الأزرق (نُشر عام 1995)
- الكتاب القرمزي (نشر عام 1999)
- الكتاب الأرجواني (نشر عام 2000)
- وسائط غير قوس قزح لكتاب القرص المضغوط
معيار "الكتاب الأحمر" للقرص المضغوط
كيف تم تطوير معيار "الكتاب الأحمر" للقرص المضغوط وحصله على اسمه
في عام 1980، أصدرت شركتا Philips وSony مواصفات الكتاب الأحمر (Red Book)، الذي حدّد المعايير التقنية للأقراص المضغوطة الصوتية، مثل قطر القرص (120 مم)، ومعدل أخذ العينات، وسعة التخزين.
ويرتبط قطر القرص المضغوط بقصة شهيرة؛ إذ اقترحت شركة Philips في البداية قرصًا بقطر 115 مم، إلا أن شركة Sony أصرت على أن يتسع القرص لأطول عمل موسيقي كلاسيكي شائع، وهو السيمفونية التاسعة لبيتهوفن كاملة، والتي تبلغ مدتها نحو 74 دقيقة، مما أدى إلى اعتماد القطر النهائي البالغ 120 مم.
بعد فترة وجيزة من إقرار المعيار، بدأت شركتا Sony وPhilips العمل بشكل منفصل على تطوير أجهزة تشغيل الأقراص المضغوطة الخاصة بكل منهما. وفي الأول من أكتوبر عام 1982، أطلقت شركة Sony أول محرك الأقراص الضوئية (Optical disc drive) تجاري، ليشكّل ذلك محطة بارزة في تاريخ تطور تقنية الأقراص المضغوطة.
أول مشغلات وأقراص CD
أطلقت Sony أول مشغل أقراص مضغوطة تجاري CDP-101 عام 1982 في اليابان، ثم أوروبا وأمريكا. وكان أول قرص مضغوط تجاري هو ألبوم The Visitors لفرقة ABBA.
معيار "الكتاب الأصفر" الأقل شهرة
كان كتاب المعايير الثاني عبارة عن جهد تعاوني بين الشركتين على الرغم من حقيقة أن كل منهما لا يزالان في السباق بشكل منفصل.
شكّل الكتاب الأصفر، الصادر عام 1983، الأساس لمعيار CD-ROM المستخدم في تخزين البيانات القابلة للقراءة عبر أجهزة الكمبيوتر.
يمكن تعديل على البيانات المخزنة في القرص المضغوط بطريقة تمكن الشخص من تخزين البيانات على القرص والتي يمكن قراءتها بواسطة الكمبيوتر. لقد كان هذا تطورًا بارزًا في تاريخ الأقراص المدمجة وكان له تأثيرات بعيدة المدى.
وقد أثبتت الأقراص المضغوطة لاحقًا أنها بديل مناسب للأقراص المرنة، إذ تتيح تخزين كمية أكبر من البيانات مع سرعة وصول أفضل. كان ذلك في عام 1990 عندما أصبح المعيار جاهزًا للاستخدام التجاري من قبل الشركات والأفراد.
كان الحدث الرئيسي التالي في عام 1995، عندما بدأت شركة Sony لتوحيد الأقراص الرقمية متعددة الاستخدامات (DVDs) ، وهي خطة كانت قيد الإعداد. لم يكن من المتوقع أن تحل أقراص DVD محل تخزين الفيديو التناظري وأشرطة الفيديو فحسب، بل يمكن استخدامها أيضًا في أجهزة الكمبيوتر بدلاً من الأقراص المضغوطة لتخزين البيانات. ضمنت المجموعة المكونة من تسع شركات والتي ابتكرتها شركة سوني بغرض قياس إمكانية وصول الجمهور بسهولة إلى أقراص الفيديو الرقمية (DVD).
ومع ذلك، فمن الصحيح أيضًا أن أقراص DVD ليست موحدة تمامًا حتى اليوم حيث لا تزال أقراص DVD+R و DVD-R متاحة في السوق، وتقدم وظائف مختلفة قليلاً، ومع ذلك يمكن اعتبار الفرق ضئيلًا نظرًا لأنها صغيرة جدًا.
مستقبل الأقراص المضغوطة
رغم تراجع استخدامها مع صعود التخزين الرقمي والبث السحابي، لا تزال الأقراص المضغوطة حاضرة في مجالات متعددة، مثل ألعاب الفيديو وتخزين البيانات.
لقد مهّد تطوير CD الطريق لتقنيات لاحقة مثل DVD وBlu-ray، ولا يزال تأثيره واضحًا في تطور وسائط التخزين الحديثة.
ISO 9660
وهو معيار نشرته المنظمة الدولية للمعايير (ISO)، يحدّد نظام ملفات للأقراص الضوئية لضمان توافقها مع أنظمة التشغيل المختلفة عند نقل الملفات.
الخاتمة
شهدت تقنيات التخزين تحولًا جذريًا من الوسائط المادية، مثل الأقراص المضغوطة، إلى حلول رقمية كالتخزين السحابي والفلاش ميموري. ومع ذلك، تبقى هذه التقنيات القديمة جزءًا مهمًا من تاريخ التكنولوجيا، ولا تزال تحظى بمكانة خاصة لدى الكثيرين، سواء بدافع الجودة أو الحنين.